مرصد الحريات الصحفية

مرصد الحريات الصحفية

الصفحة الرئيسية > الأخبار والتقارير > 2021.. لا ضامن...

2021.. لا ضامن لحرية الصحافة في العراق والسلطات متورطة

 

 

في كل شهر انقضى من 2021، حصل تعدٍ واحد –وأحياناً أكثر- بحق صحفي أو وسيلة إعلام أو ناشط وصاحب رأي في العراق.

ومثل الأعوام الماضية، لم يحاسب أو يحاكم الفاعلون مطلقاً، بل أن السلطات وأجهزة القضاء التي يفترض بها منع تلك التعديات وتطبيق القانون بحق مرتكبيها، شاركت في رسم المشهد القاتم.

قتل ناشط واختطاف اثنين آخرين، وإطلاق النار على صحفي في رأسه، واعتقال العشرات غيره من الشوارع وضربهم بجرم تغطية تظاهرات شعبية، وسجن آخرين وتوجيه اتهامات لهم تصل حد "العمالة" ومداهمة مسكن صحفية واعتقالها فجراً من قبل قوات "مكافحة الإجرام" واحتجاز زميلة لها داخل فندق وإجبارها على النوم في مطعمه لتصل لاحقاً قوة عسكرية فتنقلها إلى مدينة أخرى لمحاكمتها، فيما جُوبه محللين سياسيين بمذكرتي قبض بجرم إبداء الرأي، الذي هو مجال عملهما وصُلبه.

وفي وسط بغداد، يقتحم مسلحون مقر قناة فضائية ليهددوا بحرقها ويقدموا للعاملين فيها وإدارتها قداحات نارية كدليل على جدية التهديد دون أن تحرك القوات الأمنية والقضاء ساكناً.

هذه الأحداث جميعها وثقّها مرصد الحريات الصحفية "JFO" في تقريره السنوي هذا، وهي أفعال مدانة وتبعث على القلق وتؤشر عدم وجود ضامن لحرية الصحافة وسلامة العاملين فيها من الخطر الذي كانت السلطات أحد مصادره.

ففي 16 كانون الثاني/يناير 2021، داهمت قوات أمنية مشتركة من الأمن السياحي والوطني والاستخبارات فندق "أنوار دجلة" وسط بغداد، باحثة عن الصحفية قدس السامرائي التي كتبت قبل ذلك بساعاتٍ، منشوراً على فيسبوك تنتقد فيه وزير الدفاع وقادة عسكريين في الرمادي، فصدرت بحقها مذكرة قبض بتهمة "التشهير".

وأجبرت تلك القوات الصحفية التي تحمل الجنسية الدنماركية على النوم في مطعم الفندق لـ "تبقى تحت أعينهم"، بعدما رفض مركز شرطة المسبح توقيفها لأن مذكرة القبض كانت نسخة مصوّرة والمادة القانونية الصادرة بموجبها تقبل الكفالة.

وبعدها قدِمت قوة عسكرية من قيادة عمليات الأنبار بقيادة الفريق الركن ناصر الغنام فاعتقلت السامرائي ونقلتها إلى هذه المحافظة للمثول أمام محكمة تحقيق الرمادي، ثم أفرج عنها لاحقاً بكفالة.

وقتها، اطلع الفريق التحليلي لمرصد الحريات الصحفية على المنشور الذي أوردته الصحفية قدس السامرائي على صفحتها في فيسبوك، ولم يجد مفردات شتم أو تشهير بحق القادة العسكريين التي انتقدتهم السامرائي، ومنهم وزير الدفاع جمعة عناد.

في الشهر التالي، وتحديداً في 16 شباط/ فبراير 2021، قضت محكمة أربيل بسجن الصحافيين أياز كرم بروشكي وكوهدار محمد زيباري وشيروان شيرواني، والناشطين شفان سعيد وهاريوان عيسى، بالسجن 6 أعوام بتهمة "التحريض على التظاهر وزعزعة الاستقرار"، ربطاً بتظاهرات تندد بالفساد وتردي الأوضاع الاقتصادية شهدها إقليم كردستان في العام الماضي.

 كما اتهم رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني هؤلاء الصحافيين والناشطين بـ "التجسس والعمالة".

ورغم الاستنكار المحلي والدولي، أصرت السلطات القضائية في كردستان على تنفيذ الحكم، في انتهاكُ صارخ لحرية الصحافة والنشاط السياسي السلمي.

بعدها بشهر واحد، أي في 16 آذار/ مارس الماضي، أصدر مجلس القضاء الأعلى الاتحادي في بغداد مذكرة قبض بحق المحلل السياسي إبراهيم الصميدعي بتهمة "إهانة السلطات العامة بإحدى طرق العلانية وفقاً للمادة 226 من قانون العقوبات العراقي"، والتي تصل عقوبتها في حال الإدانة إلى السجن 7 سنوات.

وصدرت مذكرة القبض بحق الصميدعي بعد فترة وجيزة من إدلائه برأيه الشخصي إزاء قانون المحكمة الاتحادية الذي أقرّه البرلمان العراقي في الأسبوع الماضي. 

واستمع مرصد الحريات الصحفية (JFO) إلى التسجيلات الصوتية لإبراهيم الصميدعي، والتي قد تكون السبب الرئيس خلف إقامة الدعوى القضائية ضده، وكذلك منشوراته حول قانون المحكمة الاتحادية ووجد أن اللغة التي استخدمها خالية من الإهانة أو الاتهام المباشر وتبقى في إطار الرأي الشخصي.

كما اطلع المرصد على مقاطع مصورة توثق لحظة اعتقال الصميدعي من منزله ببغداد في وقت متأخر من ليلة الجمعة 19 آذار/مارس 2021، ووضع الأصفاد في يديه، وهو ما لا يتناسب مع حالة شخص تتعلق تهمته بالتعبير عن الرأي بعيداً عن التحريض على القتل مثلاً أو الدعوة للتطرف والعنف أو الحض على الكراهية أو الإرهاب وما شابه.

ولاحقاً، أُطلق سراح المحلل السياسي إبراهيم الصميدعي بكفالة، بعدما اتهمه مجلس القضاء بـ "التهجم على مؤسسات رسمية ووصفها بصفات وعبارات سيئة (..) لقاء مبالغ مالية تُدفع له"، وهو تعريض بالسمعة لم يستند لدليل.

وفي اليوم ذاته، أصدرت رئاسة محكمة استئناف بغداد/ الكرخ الاتحادية، مذكرة قبض وتحرٍ بحق الباحث والمحلل السياسي يحيى الكبيسي المقيم في عمّان بتهمة "القذف".

تهديد إثر نقاش!

وتلقى الصحفي أنس القيسي، في نيسان/ أبريل، تهديداً مباشراً من قبل مدير دائرة الشباب والرياضة في الأنبار عماد المشهداني، إثر نقاش عام داخل مجموعة على تطبيق واتساب تضم صحفيين ومسؤولين محليين في المحافظة.

ومساء 9 أيار/مايو 2021، كان الناشط البارز في التظاهرات إيهاب الوزني يهم بدخول منزله وسط محافظة كربلاء عندما أُطلق عليه النار ليفارق الحياة على الفور. ولم تفِ السلطات الأمنية والقضائية حتى هذه اللحظة بتعهداتها في اعتقال الجناة ومحاسبتهم.

وفي اليوم التالي على اغتيال الوزني، أطلق مسلح النار على مراسل قناة الفرات الفضائية في محافظة الديوانية أحمد حسن وأصابه في رأسه. ووثقت كاميرات مراقبة مشاهد من الحادث عن قرب، دون أن تعتقل السلطات الجناة حتى الآن أيضاً.

لاحقاً، وفي 10 تموز/يوليو، اختفى الناشط والكاتب علي المكدام في بغداد لأسباب تتعلق بنشاطه المدني السياسي وانتقاده للأحزاب النافذة والفصائل المسلحة، قبلّ أن تعلن السلطات تحريره بعد ساعات. وقال المكدام لاحقاً إنه "تعرض لتعذيب شديد واستجواب يتعلق بنشاطه في الكتابة ضد الميليشيات والتدخل الخارجي في شؤون العراق".

وفي الثالث عشر من الشهر ذاته، اعتقلت قوة أمنية مراسل قناة "روسيا اليوم" في بغداد أشرف العزاوي بداعي "انقضاء" مدة ترخيص عمل مكتب القناة في العاصمة، ثم أغلقت المقر وصادرت معداته.

وبينما كان الصحفيون، التركي أوجين جولا مراسل وكالة الأناضول التركية ومصوّرها هشام محمّد ومراسل قناة NRT العراقية ديار محمد ومصوّره علي بغدادي وكذلك مراسل قناة كركوك آلان يوسف يعدون تقاريرهم عن أحداث أمنية وقع في ناحية سركران في قضاء الدبس شمال غربي كركوك في 4 أيلول/ سبتمبر، أقدمت قوات أمنية على اعتقالهم. ونقل هؤلاء الصحفيون إلى مركز أمني حيث جرى التحقيق معهم وفحص آلات التصوير والتسجيل خاصتهم ثم أخلي سبيلهم بعد برهة من الوقت.

تهديد بحرق فضائية

ومساء 28 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، اقتحم 13 مسلحاً يرتدون ملابس سوداء كاملة مع قبعات بذات اللون، ويخفون وجوههم بكمامات طبية، مبنى قناة "يو تي في" وسط العاصمة بغداد.

حصل هذا بعد يوم واحد من بث حلقة للبرنامج السياسي "الحق يقال" الذي يقدمه الإعلامي عدنان الطائي واستضاف فيها النائب السابق فائق الشيخ علي للحديث عن "صراع الدولة واللا دولة بعد الانتخابات في العراق" على حد تعبير حد تعبير العنوان الرئيس للحلقة التي بثت على القناة ومنصة اليوتيوب يوم الأربعاء 27 تشرين الأول/أكتوبر، وتضمنت انتقادات حادة للمجاميع المسلحة وأجنحتها السياسية.

هذا هو التحذير الأخير.. عليكم تغيير خطابكم"، قال قائد المجموعة المسلحة التي اقتحمت مقر القناة لصحفي وموظفين آخرين كانوا متواجدين لحظتها، قبل أنّ يكشف عن هوية الجهة التي ينتمي إليها عبر إشهار 3 قداحات (جداحة)، ويشعل إحداهن بيده اليمنى ثم يسلمهن إلى موظف الاستقبال لإيصالها إلى إدارة القناة وأحد مقدمي برامجها وشخصية سياسية، كرسالة تهديد. وقبل أنّ يهم بالخروج، كرر المسلح تهديده: "تعلمون ما سيحدث في المرة المقبلة".

وقبلها بيوم واحد، اختفى الناشط الإعلامي باسم الزعاك عندما كان يصوّر بهاتفه النقال اعتصام أنصار القوى الشيعية الخاسرة في الانتخابات التي أجريت في تشرين الأول الماضي.

وآخر ما ظهر في البث المباشر الذي كان يجريه الزعاك من داخل مكان الاعتصام المحاذي للمنطقة الخضراء وسط بغداد، هو اعتراضه من قبل شخص مجهول وسأله عن هويته والجهة التي يعمل لصالحها، دون أن تتخذ السلطات الأمنية والقضائية الرسمية أي خطوة للتحري عن مصيره. وتبيّن لاحقاً أنه محتجز لدى مديرية أمن الحشد الشعبي حتى الآن.

وفجر 30 تشرين الأول/ أكتوبر داهمت قوة أمنية شقة الإعلامية زمن الفتلاوي في منطقة الصالحية وسط بغداد عند الساعة الثالثة فجراً، واقتادتها إلى مركز الشرطة في المنطقة. وبقيت الإعلامية قيد الاحتجاز لساعات عدة ومُنعت من جلب دوائها أو الاتصال بعائلتها.

جاء ذلك بعد نشر تقرير أعدته الفتلاوي قبل عام، يتضمن وثائق حول ملفات فساد تتعلق بالمخلصين الجمركيين في موانئ البصرة. وتبيّن أن عناصر القوة التي اعتقلتها، وكانوا يرتدون زياً مدنياً وثق ما أظهره مقطع مصوّر اطلع عليه المرصد، هم من مديرية مكافحة الإجرام في البصرة، وقد أفرج عنها لاحقاً بكفالة.

انتهاك آخر طال مراسل قناة الجزيرة القطرية، 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، عندما هاجمت قوة أمنية مراسل قناة الجزيرة جوني طانيوس واعتدت بالضرب على مصوّره.

واقتيد الفريق المكوّن من المراسل والمصوّر والسائق، إلى مقر أمني قرب المنطقة الخضراء، وأجبروه على توقيع تعهدات بالإكراه.

وأظهرت مشاهد حيّة المراسل جوني طانيوس، وهو يستعد لتقديم إحاطة مباشرة عن التظاهرات المطالبة بإلغاء نتائج الانتخابات قرب المنطقة الخضراء وسط بغداد، قبل أن تهاجمه قوة أمنية، وتجبر المصوّر على إيقاف التصوير أثناء البث المباشر.

طانيوس لبناني الجنسية، وصل قبل 10 أيام من الحادثة إلى بغداد قادماً من بيروت، لينضم إلى فريق قناته الفضائية ضمن كادر مكتب بغداد، وقد كان لحظة تعرضه للاعتداء، بالقرب من وزارة التخطيط، في تغطية مباشرة وثقت إطلاق الرصاص الحي في الهواء وفوق رؤوس المتظاهرين.

وآخر التعديات وقعت على مراسل قناة العهد الفضائية في محافظة الأنبار، حميد مجيد يوم 1 كانون الأول/ ديسمبر الجاري عندما اعتقلته مديرية مكافحة الإجرام في المحافظة بعد استدراجه لشرب فنجان قهوة.

قبل اعتقاله، كان الفهداوي نشر على صفحته على الفيس بوك خبرا عن جريمة سطو مسلح على محل صيرفة في الرمادي، وهو ما دفع صحفيو الأنبار الذين ملوا سياسة تكميم الأفواه قرروا التوقف عن التغطيات الإعلامية لحين إطلاق سراح زميلهم وهو ما حصل في السابع من الشهر ذاته.

انتهاكات في شوارع كردستان

وفي حين اضطر عشرات الصحفيين إلى ترك مدنهم في وسط وجنوب العراق، والهجرة إلى الخارج أو إلى إقليم كردستان تحت تهديدات الميليشيات، لم يكن حال زملائهم الكرد في الإقليم أفضل، إذ تعرض العديد منهم إلى ملاحقات واعتقالات خلال عام 2021، لأسباب تتعلق بعملهم على كشف ملفات فساد وتسليط الضوء عليها أو تغطية الاحتجاجات الشعبية المنددة بسوء الأوضاع الاقتصادية.

وخلال الأشهر الأولى من العام الجاري، أحصت مراصد صديقة تعمل داخل كردستان، نحو 50 انتهاكاً بحق صحفيين ومؤسسات إعلامية في الإقليم.

وفي تشرين الثاني الماضي، تعرض عشرات الصحفيين إلى اعتداءات واعتقالات وإصابات على يد قوات الأمن أثناء تغطية الاحتجاجات الطلابية في مدينة السليمانية.

وعلم المرصد من مصادر متعددة وشهود عيان، أنّ 47 صحفياً أصيبوا باختناقات، مع تسجيل تهديدات وهجمات لمنع تغطيات إعلامية في نحو 20 حادثة.

واستخدمت قوات الأمن العصي الكهربائية والعنف في محاولات لمنع تغطية الاحتجاجات، كما جرى اعتقال 3 إعلاميين على الأقل.

إزاء جميع هذه التعديات على حرية الصحافة والعاملين فيها، وهي أفعال مدانة بشدة، يعرب مرصد الحريات الصحفية عن قلقه العميق لتورط السلطات الأمنية والقضائية في هذا المسار فضلاً عن تنصلها من القيام بواجباتها القانونية عندما يتعرض صحفي لخطر يتأتى من طبيعة عمله وواجباته وهذا ما يفرضه عليها القانون والدستور اللذين كفلا حرية التعبير والإعلام، فضلاً عن تركها المسلحين الذين هددوا قناة "يو تي في" طلقاء حتى اللحظة دونما ملاحقة وحساب، على الرغم من أنّ تتبعهم كان سهلاً ويسيراً لجهة ما تمتلكه السلطات من إمكانيات أمنية واستخبارية.

وإذ يدعو مرصد الحريات الصحفية "JFO"، السلطات العراقية، وبضمنها سلطات إقليم كردستان، إلى إبداء الاهتمام الجدي واللازم لحماية وسائل الإعلام والصحفيين والنشطاء ذوي الرأي فإنه يجدد التذكير بالحاجة الماسة لإلغاء التشريعات الموروثة من الأنظمة الشمولية السابقة التي استخدمت ولا تزال للقمع الفكري وتكميم الأفواه وتفرض على أصحابها عقوبات تتروح بين الغرامات والسجن المؤبد وصولاً إلى الإعدام حال إدانتهم بـ "إهانة الرئيس أو البرلمان أو الحكومة".

وهذه المواد هي بالترتيب: 81، 82، 83، 84، 201، 202، 210، 211، 215، 225، 226، 227، 403، 433، 434 من القانون رقم 111/ 1969، والمتعارف عليه باسم قانون العقوبات لسنة 1969.

ويلفت المرصد إلى أن وجود العراق في المرتبة 163 ضمن التصنيف العالمي لحرية الصحافة من أصل 180 دولة، يدين ليس السلطات وحدها، بل الأحزاب النافذة سواءً في إقليم كردستان أو بقية أجزاء العراق، وأغلبها كانت قبل 2003 معارضة للنظام وتشكو "القمع"، لكنها اليوم تسير بنفس المنوال.

 

 

 

  • قمع يطال موظفي شبكة الإعلام العراقي

  • نائب سابق يتوعد صحفياً بالقتل والتقطيع في كربلاء

  • إذلال" و"فوضى".. هكذا يتلقى الصحفيون العراقيون "منحة" الحكومة!

  • تسجيل هجمات واعتقالات بحق صحفيين شاركوا بتغطية احتجاجات السليمانية

  • قمع يطال موظفي شبكة الإعلام العراقي

  • إذلال" و"فوضى".. هكذا يتلقى الصحفيون العراقيون "منحة" الحكومة!

  • نائب سابق يتوعد صحفياً بالقتل والتقطيع في كربلاء

  • 2021.. لا ضامن لحرية الصحافة في العراق والسلطات متورطة