مرصد الحريات الصحفية

مرصد الحريات الصحفية

الصفحة الرئيسية > قضايا ومقالات > طبيعة التغطيات الاعلامية...

طبيعة التغطيات الاعلامية في البيئات غير الآمنة

تقتضي حرية العمل الاعلامي توفر بيئات آمنة، يكون بمقدور الاعلاميين فيها ممارسة نشاطهم من دون شعور بالخوف من تعرض حياتهم او عائلاتهم للخطر، وبذلك يمكن القول ان مستوى الحرية الذي تتمتع به المؤسسات الاعلامية مرهون بمستوى الامن المتحقق.
فلا حرية اعلامية من دون أمن، كما ان غياب الامن يعني اتساع مساحة حرية الفوضى ليس للعبث في الجوانب المادية للحياة الانسانية فحسب، بل تطول تأثيراتها الجوانب الفكرية والثقافية، وهذا ما اتضح جلياً في بعض المناطق العراقية التي كانت ومازالت مسرحاً لاعمال عنف تعذر معها على المؤسسات باختلاف اشكالها اداء وظيفتها. اذ تأثرت المؤسسة الاعلامية بالاجواء السائدة في تلك المناطق، واتخذ ذلك التأثير ابعاداً عديدة امتد بعضها الى مفاصل حاكمة في العملية الاعلامية، ما ادى الى النيل من الحقيقة التي يجدر بوسائل الاعلام كشفها للجمهور،

وبذا ظل الرأي العام العراقي جاهلاً باحداث ومواقف كثيرة، ولايجد في التي تتناهى الى علمه تفسيرات وتحليلات وافية.
انعدام التغطية او قصورها
لقد كان الحضور الاعلامي محدوداً في البيئات غير الآمنة او ما يطلق عليها الاعلام المناطق الساخنة، ذلك ان شدة الاشتباكات المسلحة بين الاطراف المتنازعة وحملة الاغتيالات الكبيرة، وخلو الاماكن من الكتل البشرية باستثناء المتحاربين المتحصنين في البنايات وغيرها، جعل من المتعذر على الاعلاميين الاقتراب من مواقع الاحداث وتصويرها، إلا بعد ساعات من وقوعها، في وقت تكون فيه الاحداث قد فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها الاساسية وادلة وقوعها كاخلاء الخسائر المادية والبشرية، ما يفقد التغطية الاعلامية جانباً من سماتها الجديدة التي اضفتها عليها التطورات التكنولوجية التي جعلت من الحدث هو الخبر وليس التقرير الموضوعي عنه.
وكثيراً ما يكتفي الاعلاميون في المناطق الساخنة بهدف التعرف على وقائع ميدانية بمعلومات يحصلون عليها من شهود عيان او جهات رسمية عبر الهواتف او الاستعانة بوكلاء جرى الاتفاق معهم لاخبار الاعلامي بما يحدث في بعض المناطق التي يتعذر عليه تغطيتها لاسباب امنية، وبذا يكون التقرير المرسل للوسيلة الاعلامية قد مر بمرحلتين وقد علقت به الكثير من العوامل الشخصية كالمشاعر والمواقف الذاتية والانحيازات، فضلاً عن فقدانه قدراً من الدقة الصدقية، وبالتالي حصول الجمهور على رسالة قاصرة جراء نقل جانباً من الحدث وغياب جوانبه الاخرى، وانطوائها على ادراك عابر لطبيعة الحدث والعوامل المتحكمة فيه والاطراف المشاركة في الصراع وخلفياتها والجهات المرتبطة بها.
وكثيراً ما كانت الاحداث في المناطق الساخنة من الجسامة بمكان لكن التقارير التي نقلتها وسائل الاعلام الى المتلقي لم تكن بمستوى الجسامة، بل ان بعض الرسائل الاعلامية اوحت للمستقبلين وكأن تلك المناطق تعيش حياة طبيعية في حين ان الحياة فيها شبه معطلة، ومما ساهم في قصور التغطيات ان بعض الجهات المسلحة اتبعت استراتيجية استهداف الاعلاميين لمنعهم من تغطية الاحداث في مناطقهم، وذلك لاحاطة عملهم بقدر من السرية خوف تسرب المعلومات عن طبيعة نشاطاتها الى جهات تعتقدها معادية.
ان استراتيجية استهداف الاعلاميين اريد في جانب منها الضغط على المؤسسات الاعلامية لحملها على تجنب النيل في تغطياتها من الجهات المتبنية لتلك الاستراتيجية، او الكشف عن حقيقة ما يجري بوضوح، او التعرف على الجهات القائمة بها. والمشكلة في هذه الاستراتيجية انها لاتقتصر على طرف من دون آخر، بل ان جميع الجهات التي اتخذت من العنف وسيلة لتحقيق مآربها، وجدت في تلك الاستراتيجية اسلوباً سهلاً لمنع اجراء تغطيات يمكنها المساهمة في تشكيل رأي عام مستنكر للافعال الشنيعة التي تقوم بها، وبخاصة تلك التي تنال من الابرياء لاسباب طائفية او قومية او غيرها.
ان اشاعة الخوف في نفوس الاعلاميين، لاسيما الذين تقع محلات سكناهم ضمن مناطق نفوذ لجماعات مسلحة، ادت بالاعلاميين الى التحايل في تغطياتهم على رؤية تلك الجماعات للاحداث، وربما يجد الاعلاميون انفسهم في احيان معينة مجبرين على صياغة تغطيات متوافقة مع تلك الرؤية، للتخلص من موقف حرج أو التعرض الى تهديد، بينما قرر الذين تعارضت تقاريرهم مع المعايير المهنية والاخلاقية للعمل الاعلامي، ترك العمل في هذا الميدان، وناؤا بانفسهم بعيداً عن المغامرة، بخاصة ان هذه الظروف جعلت الاعلاميين طرفاً في نزاع من دون ان تكون لهم يد في ذلك.
ان الحذر الشديد الذي يعمل وسطه الاعلامي العراقي، ومساحة التحسب الكبيرة التي تهيمن على تفكيره في اثناء اعداد تقاريره ولاسيما في المدن الصغيرة التي يكون فيها الاعلامي شخصية معروفة لجميع الجهات، جعل التقارير الاعلامية باهتة، ولايمكنها رسم صورة واضحة ودقيقة لمجريات الاحداث، ما جعل استفادة الوسيلة التي يعمل فيها ذلك الصحفي محدودة جداً ولايمكن للوسائل الاعلامية الرصينة اعتمادها.
كما ان طبيعة التغطيات التي يفترض فيها الاحتكام الى المعايير الاعلامية المعتمدة، اخذت تتأثر بموقف المؤسسة التي يعمل فيها المراسلون من الجهات المهيمنة او الفاعلة في المناطق الساخنة، بما افقد الاعلاميين في تلك المناطق حيادهم الذي تقتضيه العملية الاعلامية الحقيقية من ثم زيادة نسبة احتمال التعرض للخطر.
وفي الوقت الذي تحرص المؤسسة الاعلامية فيه على ان يكون لمراسلها في المناطق الساخنة علاقات جيدة بمصادر الاخبار، بغية الحصول على معلومات جديدة، بخاصة ان غموضاً كثيفاً يلف ما يجري في تلك المناطق، لكن الرسائل الاعلامية لم تتمكن من فك طلاسم بعض الاحداث المثيرة إلا بحدود ضيقة.
بالمقابل تمكنت مصادر الاخبار من توظيف الاعلاميين بشكل او بآخر وتحويلهم الى ادوات يمررون من خلالهم رسائل او اشارات لاطراف أخرى ولم يكن بمقدور الرسائل الاعلامية الاستفادة من تلك الاشارات لافتقادها الخلفيات التي يمكن من خلالها تحليل رموزها.
لقد وضعت بعض التقارير المكتوبة عن المناطق الساخنة المتلقي وسط امواج من المعلومات المتناقضة والمضللة والتي وقعت تحت تاثير عوامل ذاتية بما قادت المتلقي الى اتخاذ اراء ومواقف تجانب الحقيقة في احيان كثيرة.

 

 

 

  • الإعلام العراقي...الاسئلة والضرورات

  • وزير التعليم يحيل صحفي على التحقيق بسبب مقال رأي

  • السلطات الأمنية تبقي على صحفي في السجن منذ العام الماضي

  • اثناء ممارسة الديمقراطية... الصحافة اكثر تضرراً

  • مقتل ثاني صحفي بغضون اربعة ايام في شمال العراق

  • حالات القتل المتعمد للصحفيين في كردستان تثير مخاوف الفرق الإعلامية

  • صدور مذكرتي قبض بحق صحفيين تهدد حياتهما

  • نقص التدريب يعرض الصحافيين إلى مخاطر الموت في الموصل