مرصد الحريات الصحفية

مرصد الحريات الصحفية

الصفحة الرئيسية > قضايا ومقالات > العراق بين عزلتين...

العراق بين عزلتين

منذ أشهر تتوالى علي رسائل كثيرة من أصدقائنا الصحفيين الاجانب، يشكون فيها عدم إمكانية حصولهم على التأشيرة اللازمة لدخول العراق. منهم من أبلغني بانه تقدم للحصول عليها منذ أربعة أشهر، وآخر قال سفارتكم في المانيا لا تفعل لي شيئاً، وغيرهم حصلوا عليها من سفاراتنا لكن مطار بغداد أرغمهم على العودة في ذات الطائرة بحجة انها تأشيرة غير رسمية.


صديقي مارتن سبيشت، مصور الماني طلب برجاء، ان تكون زيارته لنا اقل تعقيدا. ما العمل في سبيل تخفيف ذلك العناء عن أصدقائنا من الصحفيين؟ لا أعلم.

أصابني الخجل أثناء الرد على رسائلهم ولكنني تخيلت للحظة اننا منعزلون عن العالم، بينما يتباهى ساستنا بأن أمن العراق تحسن. لكنك تشاهد مدننا خالية من السياح، والعمال الاسيويون طُردوا ومنعوا من دخولها. هل هي العزلة ثانية؟


كنا نتجول في بغداد برفقة صحفيين اجانب، نحاول اقناعهم ان مدينتا عادت كما سمعوا عنها سابقاً لألف ليلة و ليلة. منهم الصحفية الايطالية جوليانا سجرينا التي لم تبتعد عن العراق برغم تعرضها لاختطاف واصابتها بجراح بالغة، وكانت كلما ذهبت الى بلادها - بلاد الفنون والاناقة - تعود بحنين الى بغداد، رغم انها تحتفظ بذكريات سيئة عن طريقة تحريرها التي تطلبت مقتل "خيرة الضباط الايطاليين".

سجرينا اليوم لم تتمكن من الحصول على التأشيرة كما كان الحال في السابق، في حين ان الصحفي الأميركي دان آدم الذي قضى فترة طويلة من سني عمله في العراق وفي ظروف معقدة، لم يحصل على التأشيرة.
يبدو اننا نعيش في العزلة الثانية عن العالم، وحتى في الداخل العراقي فقد تعودنا ان نكون معزولين ومنذ عقود عما يجري في بقية العالم بل وفي بلدنا ايضا. تفصلنا عن الاحداث والتطورات اجراءات بوليسية وحواجز مصطنعة وقيود قانونية. نجهل اجراءات الحكومة وعمل مؤسسات الدولة وكأننا في بلاد ثانية حيث لاقانون يضمن حق الوصول الى المعلومة.. هي إذن عزلتنا.


حتى عندما نسلك طرقا وجسورا فان هناك الكثير من الألواح المعدنية تسور النهر وتحجب عنا ماوراء الجسر لاسباب نجهل الكثير منها.

الاساليب التي تعزل مجتمعنا عما يجري من حوله تتعدد، فالمخاوف تزداد وفي اغلبها غير مبررة. والقوانين الصادمة تتنوع وكلها تقيد حركة الانسان وافكاره وحقه في معرفة ما يجري وطريقة ادارة امور البلاد.
نحن عاجزون عن ايصال الرسائل التي تتيح للآخر الطمأنينة في حال فكر بالعمل والاستثمار في مختلف القطاعات في هذا البلد.

جميع اصدقائنا الغربيين يتساءلون عما يجرى في الداخل. ولماذا يمنعون من دخول العراق. احدهم يقول انه يريد ان يكتب عن المدارس المدمرة لعل اليونسكو تساعد بشيء، والثاني يحاول جمع اي معلومة عن مدنيين سقطوا قتلى بنيران مكافحة الشغب عند الاحتجاجات. فليمنغ ويس أندرسون صحفي ومصور دنماركي، كتب لي "لانستطيع التصوير في المدن الا بموافقات مسبقة من قبل سلطاتكم". ويتساءل هل هذا يعني ان موافقات للتصوير قد الغيت؟. بالتأكيد لم اجبه عن سؤاله، لانني في حيرة من حريتنا وديمقراطيتنا وسياستنا التي تنطوي على نفسها وتطوينا معها.


في رسالة اخيرة ذكرت لي زميلة فرنسية كيف انها استطاعت ان توفر لي تأشيرة لدخول باريس خلال ساعتين من سفارتها ببغداد. وكل ما فعلته حينذاك انها اتصلت بالسفير وابلغته عن اهمية حضوري في باريس لان الموضوع يتعلق بحرية الصحافة. ابتسم السفير بوريس بوالون وهمس قائلا: لا اقوى على عدم منحك التأشيرة انك تستحقها. ثم وصلت في ذات اليوم الى باريس. اخشى ان نصبح يوما مثل أهالي ماكوندو، التي ذكرها الروائي غابريال غارسيا ماركيز، حيث ذكر في كتابه "مائة عام من العزلة"، ان قرية معزولة في أميركا الجنوبية اسمها ماكوندو، أصيبوا أهلها ذات يوم، اثناء عزلتهم لمائة عام، بمرض يشبه فقدان الذاكرة، وتنبهوا الى ان معرفة العالم بدأت تتبخر. باتوا معرضين لنسيان ما تكون البقرة، وما تكون الشجرة، وما يكون البيت. وكان أن اكتشفوا ان طوق النجاة كامن في الكلمات، وكي يتذكروا ما تدل عليهم دنياهم، قاموا بكتابة لوحات علقوها على ابواب الدواب والاشياء. مكتوب عليها: هذه شجرة ، هذا بيت، هذه بقرة، وتعطي حليبا.


الاحداث تشير اننا داخل مجتمع معزول ونظن انه العالم.

 

 

 

  • الإعلام العراقي...الاسئلة والضرورات

  • مقتل اثنين من شبكة ABC التلفزيونية في يغداد

  • وزير التعليم يحيل صحفي على التحقيق بسبب مقال رأي

  • السلطات الأمنية تبقي على صحفي في السجن منذ العام الماضي

  • مقتل ثاني صحفي بغضون اربعة ايام في شمال العراق

  • حالات القتل المتعمد للصحفيين في كردستان تثير مخاوف الفرق الإعلامية

  • صدور مذكرتي قبض بحق صحفيين تهدد حياتهما

  • نقص التدريب يعرض الصحافيين إلى مخاطر الموت في الموصل